أُنقذ الإسلام مرتين
حينما نقرأ تاريخ أئمة الهدى G ربما أوحى تاريخهم G بالتفاوت والاختلاف في مواقفهم, بل الاختلاف أمر واقع مما قد يفسره القارئ بالاختلاف في الرؤية والاجتهاد في فهم الإسلام من قبل هؤلاء القادة الهداة G غير أن عقيدتنا بعصمتهم تمنع من قبول هكذا تفسير.
وإذا قارنا على سبيل المثال بين موقف الإمام الحسين D وموقف الإمام جعفر الصادق D فإننا نلاحظ إستجابة الإمام الحسين D لمطالبات أهل الكوفة عبر رسائلهم وكتبهم بالقدوم وبالتالي التحرك السياسي والثورة من اجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب الإصلاح في امة جده محمد المصطفى 2 فكانت نتيجة هذا التحرك وقوع المجزرة الكبرى واستشهاد الإمام وجملة من أهل بيته G وأنصاره الصالحين بالرغم من ان دراسة الملابسات الموضوعية لا ترجح فرضية الانتصار العسكري من وراء خوض هذه الحركة السياسية.
وفي المقابل حينما نقرأ موقف الإمام الصادق D حسبما تذكره مصادر التاريخ من عرض يتراءى منه فرصة ذهبية للانتصار وتولي الإمام D لتطبيق حكم الإسلام واستلام القيادة السياسية وإظهار العدالة الإلهية التشريعية بين العباد.
نجد موقف الإمام D من هذا العرض عدم التفاعل معه بل المبادرة إلى رفضه في القصة المعروفة من خلال حرق كتاب أبي سلمة الذي قدمه الرسول للإمام D حيث أجاب D: وما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري فقال الرسول: تقرأ الكتاب وتجيب عليه بما رأيت.
فقال جعفر D لخادمه: قدم منى السراج. فقدمه فوضع عليه كتاب أبى سلمة فأحرقه، فقال: ألا تجيبه ؟ فقال: قد رأيت الجواب "[1]".
وإذا ما عرفنا دور أبي سلمة ومكانته السياسية يتبين حجم هذا العرض ودرجة احتمال النجاح من خلال هذا النص:
وظهر سليمان بن كثير الخزاعي وأصحابه بخراسان يدعون إلى بني هاشم سنة 111، وظهرت دعوتهم، وكثر من يجيبهم، وقدم بكير بن ماهان، فأجابه خلق كثير إلى خلع بني أمية وبيعة بني هاشم، وكثر أشياعه وأصحابه، ثم حضرت بكير بن ماهان الوفاة، فاستخلف أبا سلمة حفص بن سليمان الخلال وكتب بذلك إلى محمد بن علي بن عبد الله، وأعلمه أنه يرضاه، فأقره، وكتب إلى أصحابه يأمرهم بالسمع والطاعة، فاستقاموا جميعا عليه "[2]".
فلماذا يفوت الإمام الصادق D الفرصة على عكس موقف الإمام الحسين D.
يمكنني ان اطرح جوابا غير جازم (أطروحة) بتعبير سيدنا الشهيد الصدر الثاني كالتالي:
لما رأى الإمام الحسين D الخطر الذي يواجهه الإسلام نتيجة التمثيل الرسمي للإسلام من خلال قيادة منحرفة تحمل قدسية كبيرة في نظر المسلمين بدرجة تعتبر أعمالها وتصريحاتها تعكس وجهة نظر الإسلام حتى سميت شخصية القائد السياسي بخليفة رسول الله 2 وهذا ما يعني البداية لانهيار الإسلام وقيمه عبر سلسلة من القيادات المنحرفة ليبقى القشر ومجرد اسم الإسلام وانسلاخ تعاليم الدين فرأى بحق ان من واجبه الديني ان يتحرك للمواجهة مهما كان حجم الخطورة من هذه المواجهة ولا يبالي إن وقع الموت عليه أو وقع هو على الموت ما دام ذلك ينقذ الإسلام من هذا الخطر العظيم وهكذا أنقذ الإمام الحسين D الإسلام من خطر المحو والاندثار.
وأما الإمام الصادق D فهو قد وجد خطرا من لون آخر يواجه الإسلام يتمثل في حركة الزنادقة والثقافات التي تستهدف إزاحة الإسلام كعقيدة من نفوس أبناء الأمة الإسلامية وفي ظروف تعاني من انحسار الثقافة الإسلامية وتوفر ترجمات لكتب وثقافات دخيلة تكون الأولوية للجهاد الثقافي ونشر تعاليم الإسلام وتحصين أبنائه ولو من خلال تربية الكوادر العلمية لتكون حصونا للإسلام فبدل ان يتورط في محاولة للوصول للحكم ربما كانت تواجه الفشل وتنتهي بقتل الإمام D ويحل الخطر المتوقع بالإسلام.
قام الإمام D بدوره العلمي الثقافي وهكذا صار الإمام D قائد النهضة العلمية وربى جيشا من العلماء والمفكرين فحمى الإسلام من خطر عظيم آخر كان يحيق به.
فهل نعي من خلال هذه المقارنة ضرورة صناعة القرار السياسي المتاح من قبل القيادة الدينية الصالحة والواعية والتسليم لتوجيهها في كل الظروف دون ان تفرض القواعد الشعبية رأيها على القيادة؟.