بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا البحث عن الإمامة ؟

 

سؤال طالما تم طرحه بدوافع مختلفة فتارة يطرح بهدف الوصول للحقيقة ومعرفة السبب المنطقي وراء البحث في التاريخ وأحشاء التراث وأخرى يطرح بغرض تثبيت عقيدة يحملها صاحب السؤال فهو يطرح الفكرة في صيغة سؤال لينتهي إلى نتيجة عبثية البحث عن الإمامة بل الوصول إلى نتيجة ضرر هذا البحث فمن هم الذين يدعون لإغلاق باب البحث في الإمامة وما هو الجواب على السؤال؟  

هناك عدة تيارات تدعو لنبذ التنقيب عن الإمامة والخلاف التاريخي بين المسلمين في موضوع القيادة.

التيار الأول تيار يأخذ من منهج ( التقريب بين المذاهب ) مسلكا وطريقا فهو يرى ان قصة الإمامة والقيادة مدعاة للفرقة وبؤرة للنزاع والتمزق في حين ان مصالح المسلمين تقتضي توحدهم فما أحرى بهم ان يدعوا أسباب النزاع وراء ظهورهم ليتطلعوا لما يوحدهم ويلم صفهم ويقوي شوكتهم.

وقد فاته أن التقريب بين المذاهب ليس بترك الحقيقة أو تغطيتها وإنما بتوضيح الفارق بين السلوك العملي تجاه الآخر وبين العقيدة الفكرية.

التيار الثاني تيار سياسي يهمه الوضع الراهن للمسلمين اليوم فعليهم ان يحثوا الخطى ليلحقوا بركب الحضارات المتقدمة فهو يرى ان من أسباب تخلف المسلمين وتأخرهم ذاك النزاع المرير المتجدد بتجدد البحث عن التاريخ فهو يشغلهم عن الحاضر ويصرفهم عن التفكير فيما يوجب التقدم والانشغال عنه بالتنقيب في متاحف التاريخ لنسقطه على واقعنا فنتناحر ونتقاتل فمقتضى المصلحة السياسية والتقدم في إصلاح الحكومات وتحقيق المزيد من الحقوق للناس سد باب البحث في ان الحق كان مع فلان أو فلان, الذي لا ربط له بالواقع الذي نعيشه اليوم فيكفي ان نعرف خلو البحث في ذلك من أي فائدة فضلا عن معرفة الأضرار يكفي ذلك لصرف العمر في ما هو مهم وضروري من التفكير في النظام السياسي الصالح والتفكير في انتخاب الخليفة والإمام في وقتنا الراهن ما دمنا لا نملك من واقع التاريخ سوى قرائته ومشاهدته كما نشاهد فلما سينمائيا دون ان تكون لنا اليد في تغيير أي شيء من وقائعه, فالواجب حينئذ هو النظر في انتخاب إمام اليوم.

وهذا الطرح هو الآخر خفي عليه الفرق بين الإمامة الإلهية كما يعتقد بها الإمامية وبين القيادة السياسية التي ينبغي ان تحكم الناس في هذا الزمان أو ذاك.

التيار الثالث تيار فكري يستند في دعواه إلى ان الخلاف على الزعامة بعد الرسول ص خلاف سياسي يرتبط بالماضي لا علاقة له بواقعنا العملي.

ولا يختلف هذا التفكير كثيرا عن سابقه والمغالطة التي وقع فيها تشترك مع التيارين السابقين.

التيار الرابع تيار يتعمد التضليل وإخفاء الحقيقة لما له من أهمية بالغة لبقاء مصالحه بالمذهب الذي يرتبط به فكشف خطأه يؤثر سلبا على مجمل مصالحه المرتبطة بانتمائه لمذهب معين.

وهذا اللون من التفكير المصلحي الفاقد للقيمة الأخلاقية لا يمكن النقاش معه إلا من زاوية قيمية دينية وليس من زاوية فكرية بحتة.

والمهم من الكلام هنا هو الجواب على السؤال وبيان ضرورة البحث عن موضوع الإمامة ومن جهة أخرى شرح العلاقة بين هذا البحث والفرقة أو التوحيد بين المسلمين.

فلماذا البحث عن الإمامة ؟

للإمامة عدة أبعاد يكفينا هنا أن نذكر ثلاثة ترتبط بالموضوع.

البعد الأول سياسي ومن هو الأحق والأصلح لقيادة الأمة بعد رحيل الرسول ص للرفيق الأعلى وهذا البعد تاريخي يرتبط بالمسلمين الذين كانوا يعيشون تلك الفترة من التاريخ فإننا مهما بحثنا في ذلك فلن نغير من الحوادث ولن نستطيع ان نجعل الحكم بيد من نراه محقا وذلك لسبب بسيط وهو ان ذلك مضى وانقضى.

البعد الثاني بعد تشريعي حيث يعتقد الشيعة بان الإمام امتداد طبيعي للرسول الأعظم ص وانه معصوم ومصدر للتشريع بمعنى ان قوله وفعله وتقريره حجة تماما كما هو الحال بالنسبة لرسول الله ص.

البعد الثالث بعد عقيدي حيث يرى الشيعة ان الاعتقاد بالإمام واجب بل عدوه من أصول الدين فلا يعفى مسلم في العقيدة الشيعية من إهمال ذلك ولا التقليد فيها فكما يجب الاعتقاد بنبوة محمد ص بالدليل كذلك يجب الاعتقاد بالأئمة عليهم السلام بالدليل لا بالتقليد.

ويكفي معرفة البعدين الثاني والثالث لمعرفة ضرورة البحث عن الإمامة وان كان هذا من المسائل الخلافية بين المسلمين فالواجب على المسلم ان يبحث ليصل إلى الحقيقة بالدليل والبرهان لا بالتقليد لكون المسألة مصيرية فالبحث لمعرفة ان كانت الإمامة واجبة وضرورية للجانب التشريعي والعقيدي أم لا في غاية الأهمية ليبني المسلم عمله الصحيح وعقيدته السليمة على أساس من القاعدة الصحيحة ليقف الموقف الصحيح أمام الله سبحانه.

يبقى ان نجيب على التصور القائل بان بحث الإمامة يثير الفتنة ويمزق الأمة بالنحو الذي تكلمنا عنه في أطروحات التيارات المتقدمة, والحقيقة ان الإسلام وحكم العقل في الوقت الذي يحرص فيه على ان يبحث الإنسان عن الحقيقة ولا يرضى له بالتقليد في العقائد في ذات الوقت الإسلام ومنطق العقل السليم يحكم بضرورة تجنب التمزق والتناحر ووحدة الصف العملي والانطلاق من القواسم المشتركة بل في عقيدة الشيعة من اجل الوحدة والتعاون بين المسلمين يجوز التنازل عن بعض الخصوصيات الفقهية التي تمس الصلاة والوضوء وغيرهما في بعض الظروف التي يشرحها الفقهاء في رسائلهم العملية مما يؤكد ان البحث لا يراد منه النزاع بل الوصول إلى الحقيقة دون الاصطدام بالآخرين الذين يختلفون معنا, وهذا ما أكدته سيرة أمير المؤمنين ع في التعامل مع مخالفيه, ففي الوقت الذي يؤكد على أحقيته وخطأ الآخرين إلا انه في التعامل معهم كان يمثل افضل صور الوحدة بين المسلمين وهكذا تعاليم الائمة المعصومين عليهم السلام تؤكد على نفس المنهج وتدعو الأتباع للتمسك بمبدأ الوحدة قولا وعملا.

فقد روى صاحب وسائل الشيعة رواية صحيحة عن الإمام موسى الكاظم ع انه قال: صلى حسن ع وحسين ع خلف مروان ونحن نصلي خلفهم.

ما أروع ان يتوحد المسلم مع أخيه المسلم دون أن يتنازل عن ما يعتقده من الحق وما أحلى ان يتعامل المسلمون بمنهج التسامح والتعامل السلمي فهذا أمير المؤمنين ع يرفض استخدام العنف ضد من يسبه حسب ما رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة:

انه ( الإمام علي ع ) كان جالسا في أصحابه إذ مرت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم، فقال ( عليه السلام ): ان عيون هذه الفحول طوامح، وإن ذلك سبب هبابها فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة، فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافرا ما أفقهه، فوثب القوم ليقتلوه فقال ( عليه السلام ): رويدا فإنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب.

فهل نبحث عن الحقيقة ثم نتعامل مع من يختلف معنا بالحسنى كما يفعل الإمام علي ع؟